القط والفأر. بداية الحرب الباردة
عشت في زمن مضى، رأيت
فيه بأم عين رأسي القطط وهي تصطاد الفئران وتأكلها، كان ذلك في طفولتي في أواخر
السبعينيات من القرن الماضي، كانت القطة الأم تحضر لأطفالها الصغار فأراً حياً
صغيراً لتدربها على اصطياده، وها أنا الآن أعيش في هذا الزمان الذي أرى فيه القطط
تتجاهل عن استحياء الفئران التي تمر بالقرب منها، تجاهلاً عن عمد، تتناسى فيه
مجدها التليد؛ حين كانت تقوم بكل رشاقة وخفة في مطاردة الفأر حتى توقع به وتفترسه،
بل إن أشد ما آلمني أن أرى القطط خائفة بالفعل من الفئران، فماذا حدث؟
في اعتقادي أن مرد هذا
الأمر إلى سببين، الأول سبب تخيلي قد يكون حقيقياً، والثاني سبب حقيقي ولكنه قد
يغدو تخيلياً، نبدأ بالسبب الأول وهو عرض حلقات القط والفأر توم
وجيري منذ
عقود مضت، وتحقيقها نجاحات ساحقة على مستوى مشاهدة الأطفال والكبار على السواء،
ولا أنكر أنني قد شاهدتها في مطلع شبابي وشاهدتها مع أطفالي، وأنني سوف أشاهدها مع
أحفادي لو قدر لي العمر الطويل.
هذه الأفلام الناجحة
كانت تقول فكرة واحدة: الفأر أذكى من القط وهو وحده القادر على الفوز في الجولات
التي سيتصارع فيها معه، ولا شك أن هذه كذبة ساحقة ماجنة؛ لا تمت للحقيقة بأي صلة،
وتبث في أطفالنا أول كذبة يتعلمونها في حياتهم: الفأر قادر على سحق القط، وقد يكون
عرض حلقات توم وجيري أثر على نفسية القط ورسخت في ذهنه عجزه عن ملاحقة الفأر
والفوز عليه، وهذا ما أدى به إلى تسليمه بالهزيمة في النهاية.
وعلى النقيض، فإن
الفأر قد ترسخ في ذهنه إمكانية الفوز على القط بسهولة، وهذا ما أدى بنا في النهاية
إلى رؤية القطط وهي تتجاهل مرور الفئران العمدي بجوارها، وأشجع القطط هو من يقوم
بتمثيل مشهد مطاردة الفأر من خلال خطوات قليلة باتجاه الفأر بعد مروره بمسافة
طويلة، تلك الخطوات تحفظ للقط ماء الوجه، وتستعيد له جزءاً من مجده التليد.
السبب الثاني: وهو
وفرة الطعام البديل؛ حكى لي أحد أصدقائي الذي زار أمريكا مؤخراً، أنه عند فراغه من
طعامه في إحدى الساحات المفتوحة وعندما أراد أن يعطي بعض بقايا طعامه للطيور، منعه
مضيفه الأمريكي قائلاً إن هذا يؤثر على التوازن البيئي، أي أننا نصرف هذا الطائر
عن طعامه الذي سخره الله له؛ بتوفير طعام آخر مواز لطعامه الأول، فهل هذا ما حدث؟
وهو أن وفرة ما تجده
القطط من طعام وشراب يلقيه إليها الناس في الشوارع والأزقة قد جعلها تستكفي بهذا
الطعام الشهي اللذيذ عن طعم الفئران الذي قد لا يكون مستساغاً لذلك الجيل من
القطط، ولا شك أن عادات الإنسأن الغذائية تتغير من عصر إلى عصر، وها هو إنسان
العصر الحالي يعشق الوجبات الجاهزة من المطاعم العالمية الشهيرة والتي تجلب
للإنسان المزيد من المتاعب الصحية، ولكنها صيحات الجيل الجديد، فلماذا لا تتجه
القطط إلى صيحات غذائية جديدة وتستغنى نهائياً عن أكل الفئران واصطيادها طالما أن
البديل متوفر وجاهز.
ولعل هذا الأمر يجب أن
يخضع لبعض التجارب العلمية العملية لمعرفة الحقيقة، كأن تكون بتجربة توفير نوعين
من الطعام للقطط، طعام منزلي، وفأر طازج مخدر بعض الشيء، لنرى كيف ستتصرف القطط في
هذه الحالة، هل ستفضل الطعام المنزلي أم الفأر الطازج؟
يبدو أن الموضوع محير
بعض الشيء لكنه هام جداً من ناحية أخرى، إن معرفتنا لماذا تتجاهل القطط الفئران
لهو موضوع حيوي وهام لا يحكم في المقام الأول العلاقة بين القطط والفئران، بل يحكم
العلاقة بيننا وبين الكون بصفة عامة ويجيب عن أسئلة عديدة، منها: هل استمرار الكذب
على المدى الطويل يؤثر على تصديقنا لأخبار ليس لها أصل؟ وهل يعقل بنا نحن الكبار
أن نعلم أبنائنا الكذب من خلال الأفلام المسلية الممتعة مثل قصة القط والفأر، ثم
نأمرهم بالصدق في التعامل؟!
ولعل الأمر الهام الذي
يجب أن ننتبه له هو أن القط لن يكون القط الذي عرفناه في الماضي ما لم تنتبه القطط
لذلك فتعود لتهاجم الفئران وتقبض عليها ثم تقرر بعد ذلك هل تريد أن تأكلها أم لا؟
ليبقى هذا خيارًا مفتوحًا أمامها
ما لم يحدث ذلك، فإن
خللاً ما قد وقع على بساط الكرة الأرضية لم ننتبه له بعد!

من اجمل المقالات اللي قرتها بصراحة انا بحب المقال ده جدا
ردحذف